آخر تحديث :الاربعاء 27 مايو 2020 - الساعة:18:05:07
حكومات السلم والحرب.. التشابه والاختلاف .. ما الذي جناه الجنوبيون من تلك الحكومات ؟ وهل سفرض اتفاق الرياض مشاركة حقيقية للجنوب ؟
("الأمناء"/ د.يحيى مولى الدويلة:)

حرصت حكومات السلم والحرب لنظام صنعاء أن يكون فيها تمثيل جنوبي، بل أن يترأس هذه الحكومات شخصية جنوبية للتعبير الشكلي عن مشاركة الجنوبيين في نظام الحكم، ولكن إلى أي مدى عكست الممارسة السياسية مصداقية هذا التوجه؟ وهل سيضع اتفاق الرياض ملامح مشاركة حقيقية للجنوبيين؟ وهل سيوفر إمكانيات حقيقية لتصحيح انحرافات واختلالات الحكومات السابقة؟ وهل ستكون الحكومة الجديدة مستقلة عن هيمنة نظام الاحتلال؟ هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة ترتبط بمدى قدرة الرياض على ضبط إيقاع المرحلة المقبلة سنستعرضها في هذا التقرير.

 

عندما ساد الصمت وتعطلت لغة الكلام

كشفت حكومة دولة الرئيس حيدر أبو بكر العطاس، للوهلة الأولى، أن حكومته لا تأتمر بأمره، وأنها كانت مجرد ديكور وهناك جهة أخرى تقوم بهذه العملية، فهو لا يستطيع محاسبة وزرائه، ولا يستطيع متابعة وتنفيذ برنامج حكومته التي أقسم عليها اليمين أمام البرلمان.

 وجاءت حكومة دولة الرئيس فرج بن غانم، وهو الآخر لم يجد صعوبة في اكتشاف ذلك، ولكنه تبيّن له شيئاً جديداً عندما صارح الرئيس السابق عفاش بأمر خطير تصور أن بالإمكان تنفيذه، فقال له: "أعطني إيرادات النفط والغاز وأنا مستعد أن أُحدث في اليمن تنميةً ونهضةً غير عادية وما تبقى من الإيرادات خذوها وتصرفوا بها كما شئتم، ولا علاقة لي بها" وهنا تغيّر لون وجه عفاش كمن لدغته حية، وتوقف عن الكلام، فهو لم يكن يتصور أن أحداً يمكن أن يتجرأ ويفتح مثل هذا الموضوع حتى ولو كان رئيس الوزراء نفسه.

 إن الموارد الطبيعية تعتبر بالنسبة لهم خط أحمر ممنوع الحديث حوله، فلا أحد يمكن أن يعرف كم هي إيرادات النفط والغاز إلى يومنا هذا، لذلك استقال د. فرج بن غانم بعد مرور عام من توليه رئاسة الوزراء.

 

الفساد المالي وغياب الشفافية.. أهم ملامح الحكومات السابقة

وعندما جاءت حكومة دولة رئيس الوزراء باجمال، الذي كانت له نظرية غريبة، وهي أن الفساد ضرورة وهو محرك للتنمية والنمو الاقتصادي! فعندما يسرق المسئولون 20% من ميزانية أي مشروع فهذا يعطيهم حافزاً لتنفيذ المشروع بالمبلغ المتبقي، وقد صادف أن كنت في مكتبه حينها فالتفت نحوي وقال: "وإلا أيش يا مولى الدويلة؟!" وعلى الفور وافقته لأنه كان لي طلب عنده، والحقيقة أو الذي يحدث هو العكس تماماً، فالمسئولون يسرقون 80% من ميزانية المشروعات والمبلغ المتبقي ينفذون به مشروعاً هشاً بعيداً عن المواصفات، وهذا ما نلاحظه دائماً عند افتتاح مشاريع ضخمة وقص الشريط، ولكننا لا نرى شيئاً على الأرض وخاصة المشاريع الوهمية التي تنفذ في الجنوب.

وعليه فإن باجمال استطاع أن ينصاع لرغبات عفاش بل كان يساعده على ممارسة الفساد مقابل حفنة قليلة من المال.

ومن الحكومات المثيرة للجدل كانت حكومة دولة الرئيس مجور، والذي كانت له علاقات دولية واسعة، وقد اختاره عفاش لأن رائحة الفساد قد بدأت تفوح للخارج وبدأت الدول المانحة وضع ضوابط لصرف المساعدات، وكان عفاش يقول: لا تعطونا أي مبالغ سلموها للدكتور مجور، أي أنه أراد أن يتحايل على الدول المانحة، فإذا ما تم تسليم المساعدات لمجور فسيكون من السهل أخذها منه.

ومن الأشياء الطريفة مع مجور أنه اختلف مع أحد رجال عفاش وهو الأرحبي، فما كان من الأخير إلا أن أهان مجور بقوله: "الآن أنت صدقت إنك رئيس وزراء؟!" فكانت ردة فعل مجور أن وجه صفعة على وجه الأرحبي والذي اشتكى لعفاش؛ لكن عفاش لم ينصفه لأنه كان بحاجة إلى مجور.

 

حكومات اختطفها الإخوان

من جهة أخرى فإن حكومات هادي لا تختلف، فقد اختطفها الإخوان منذ الوهلة الأولى، فعلى العكس من حكومات عفاش الذي كان الآمر الناهي عليها بينما حكومات هادي فقد كان الإخوان من يسيرها بحكم ادعائها بأنها تمثل ما يسمى بثورة الشباب.

وقد عرف عن أول حكومة لهادي ترأسها باسندوه ولكنها كانت تدار بواسطة الإخواني حميد الأحمر الذي كان يتدخل في كل واردة وشاردة، خصوصاً الجانب المالي. والباسندوه المحسوب على الجنوبيين كان مجرد ديكور وقد فاضت فضائحه بسبب صرفه مليارات الدولارات لجماعته ومصالحه الخاصة، فقد علم أنه صرف عدة مليارات لجامعة الإيمان الإخوانية والفرقة الأولى في تعيين جنود وهمية، إضافة إلى أنه قام بتعويض شركته من أموال الدولة، ولا يزال يطالب بالمزيد من التعويضات لشركته سبأ فون، في حين صادر تعويضات أهالي أبين الناتجة عن الأضرار التي سببتها القاعدة.

وجاءت حكومة السلم والشراكة برئاسة دول الرئيس بحاح، وهي الحكومة الشرعية الوحيدة بعد الحرب كونها أدت اليمين الدستوري أمام البرلمان، إضافة إلى توافق كل القوى السياسية عليها بما في ذلك الحوثيين، وكانت حكومة بحاح أكثر توازناً من حيث أنها راعت بعض حقوق الجنوبيين ولكن جماعة الإخوان لم يهدأ لهم بال، حيث وجدوا أنفسهم غير قادرين بعمل اختراق في السيطرة على الجنوب، فكان لابد أن تزيحها من الطريق ليخلو لها في تنفيذ مخططها لغزو الجنوب. فجاءت حكومة بن دغر الذي لم يكن خانعاً لأهواء الإخوان وحينما بدأ التقارب مع الإمارات العربية أسقط الإخوان حكومته بإشعال الأزمات وحرب الخدمات.

 

حكومة حرب ضد الجنوبيين وليس الحوثيين!

وتسلّمت بعده حكومة وصفها الجنوبيون بأنها كانت مختطفة من الإخوان، وكانت حكومة حرب ولكن ليس ضد الحوثيين؛ بل كانت ضد الجنوبيين، وبدأت التحضير لغزو الجنوب وتمكنت من إحداث اختراق في الحرس الرئاسي وتحالفت مع بعض الشخصيات الجنوبية، ولكن التحالف شعر أن مسار المعركة قد انحرف وأخذ منحى مختلفاً لأهداف التحالف، فأرادت تصحيح الاختلالات التي تسببت فيها هذه الحكومة فكان اتفاق الرياض.

مما سبق يتضح أن إدارة الحكومات السابقة سواء حكومات السلم أو الحرب يتمحور في كيفية نهب موارد البلاد وخصوصاً الواقعة في الجنوب دون أن يكون من حق أي مواطن أن يعرف حجم هذه الثروات، فقد نصّبت طائفة من الناس نفسها في أن تكون المالك الحقيقي لثروات البلاد والتي يتم التعامل معها على إنها ملكية خاصة. وهي تقوم بصناعة وتفصيل شخصيات جنوبية ديكورية لتسهيل عملية النهب والسرقة مقابل مبالغ ضئيلة ثمناً لخيانة أهلها وأبناء عشيرتها من الجنوبيين. لذلك فإن أول إصلاح لهذه الأخطاء والاختلالات لابد أن يراعي عند اختيار الحكومة الجديدة أن تكون ممثلة تمثيلاً حقيقياً للجنوبيين والشماليين على السواء.

 

محاولات حكومة (تصريف الأعمال) إرباك المشهد ووضع العراقيل

هناك من يصور أن جوهر تصحيح المسار يكمن في إصلاح القصور في الخدمات ودفع المرتبات وتقوية العملة، وإن كان لها أوليات ملحة، ولكن الأساس هو معالجة الأسباب التي أدت إلى تلك الاختلالات، وفي مقدمتها الفساد المالي للحكومات السابقة، وما يهمنا هنا الحكومة الحالية، فكلنا يعلم أن هذه الحكومة هي التي افتعلت حرب الخدمات لأسباب وأهداف واضحة لا تحتاج إلى تأويل واجتهاد لمعرفتها، فقد كان الهدف من تعطيل الخدمات وخاصة في عدن هو ممارسة ضغوطات شعبية للمواطنين على الانتقالي لتصوير الأمر وكأنه عاجز عن الإيفاء بأبسط حقوق المواطنين من صرف مرتبات أو إدارة الأزمات والخدمات، وهي ليست من مهامه في حين المواطن قد أدرك يقيناً أن هذه الأزمات مفتعلة، وأن مصدرها الحكومة السابقة، والدليل أن بعد اتفاق الرياض سارت الأمور طبيعياً دون أن يكون للحكومة السابقة تواجد في عدن. ولكن هذه الحكومة لا زالت تضع العراقيل أمام اتفاق الرياض مع أنها أصبحت حكومة تصريف أعمال، ولا شأن لها بتنفيذ اتفاق الرياض، ولكنها تحاول انتهاز الفرص والمناسبات في تحميل الانتقالي فشلاً للاتفاق قبل أن يتم البدء في تنفيذه، فهي تروج أن الانتقالي لم يسمح بعودة الحكومة، وهي إشاعات يقوم بها أولئك الذين أصبحوا على علم بأنه لن يعود تعيينهم في الحكومة الجديدة بسبب تورطهم في أعمال وسلوكيات غير أخلاقية في حق المواطن وفي حق دول التحالف. إن هؤلاء يختلقون أعذاراً واهية فهم يريدون البقاء في الرياض لجني المزيد من الأموال والعلاوات الضخمة التي يتحصلون عليها وعودتهم إلى عدن يعني فقدانهم هذه الامتيازات.

 

مهام عظيمة أمام الانتقالي

إن المهام الحقيقية للحكومة الجديدة لن يكون من السهل تنفيذها إلا بتعاون الجميع؛ لأن أولياتها إذا ما تحققت ستكون صادمة للفريق المعارض لاتفاق الرياض، وهي لن تتنازل عن مصالحها بسهولة ما لم تتخذ قرارات جريئة والتي من المتوقع أن تمس مصالح مسئولين كبار في الدولة، لعل في مقدمتها إعلان الشفافية الكاملة لإيرادات الثروات الطبيعية وغيرها من الموارد وتوريدها للبنك المركزي، وكذلك إصلاح الفساد المالي في القوات المسلحة والداخلية واستعادة الأموال المنهوبة خلال فترة الحرب وتجفيف منابع الإرهاب بقطع تمويل التنظيمات الإرهابية، وسيحتاج ذلك إلى كنس السلم من الأعلى إلى الأسفل من خلال تطهير جهاز الدولة من الفاسدين. وسيكون لإعمار عدن الأهمية القصوى ولكن حذاري أن يُسلم هذا الملف لقوى شمالية؛ لأنها تعودت على الفساد المالي. وسيكون للانتقالي ومن خلال وزرائه والذين يجب أن يكونوا قدوة ونموذجًا للعمل الجاد والدؤوب وفي مراقبة أداء الحكومة وحماية الجنوبيين من أي مؤامرات محتملة يمكن أن يتعرضوا لها.  

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص